الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

137

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتا ولا نفيا ، وقال الشعبي : نزلت في قوم قالوا : لنقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى ، وذلك وقع في قتال بين حيين من الأنصار ، ولم يثبت هذا الذي رواه وهو لا يغني في إقامة محمل الآية . وعلى هذين التأويلين لا اعتبار بعموم مفهوم القيد ؛ لأن شرط اعتباره ألا يظهر لذكر القيد سبب إلّا الاحتراز عن نقيضه ، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم ، وحينئذ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك ، وأن دليل المساواة بين الأنثى والذكر وعدم المساواة بين العبد والحر عند من نفى المساواة مستنبط من أدلة أخرى . الثالث : نقل عن ابن عباس أن هذا كان حكما في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المائدة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] ونقله في « الكشاف » عن سعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبي حنيفة ، ورده ابن عطية والقرطبي بأن آية المائدة حكاية عن بني إسرائيل فكيف تصلح نسخا لحكم ثبت في شريعة الإسلام ، أي حتى على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فمحله ما لم يأتي في شرعنا خلافه . وقال ابن العربي في « الأحكام » عن الحنفية : إن قوله تعالى : فِي الْقَتْلى هو نهاية الكلام وقوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ جاء بعد ذلك وقد ثبت عموم المساواة بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى لأن القتلى عام وخصوص آخر الآية لا يبطل عموم أولها ، ولذلك قالوا يقتل الحر بالعبد ، قلت : يرد على هذا أنه لا فائدة في التفصيل لو لم يكن مقصودا وإن الكلام بأواخره فالخاص يخصص العام لا محالة ، وإنه لا محيص من اعتبار كونه تفصيلا إلّا أن يقولوا إن ذلك كالتمثيل ، والمنقول عن الحنفية في « الكشاف » هو ما ذكرناه آنفا . ويبقى بعد هاته التأويلات سؤال قائم عن وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان ؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها للاحتراز عن النساء منهم ؛ فإن ( ال ) لمّا صيرته اسم جنس صار الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن كانت فيه . ولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمه اللّه عن وجه مجيء هذه المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلّا لقتل مماثله في الصفة فترك لي ورقة بخطه فيها